في زاويةٍ منسيةٍ من جغرافيا الذاكرة العربية، يقفُ "بيت بيروت" شاخصًا كشاهدٍ صامتٍ على انكساراتِ جيلٍ بأكمله، ومتحفًا حيًّا تسكنُ جدرانَه تفاصيلُ الهروب، والثورة، والبحثِ المضني عن الطمأنينة. تبدأُ الحكايةُ من ليلِ القاهرةِ الموحشِ عام 1975؛ حيث يجدُ ضابطٌ عسكريٌّ مصريٌّ آمن بالاشتراكية والتحقَ بجيش بلاده مغلولَ اليدين، مفصولاً بقرارٍ عسكري يقلبُ حياته رأسًا على عقب. يفرُّ حاملًا حقيبة "سامسونايت" لا تحوي سوى أوراقه الرسمية وخيباته المتراكمة، لتبدأ رحلةُ تيهٍ عابرة للحدود.
بين دروب ليبيا الواعدة والصحاري الممتدة، ومنها إلى الأردن ثم شواطئ مرسيليا وبيروت، تتشابك خيوط العمل في تصاعد درامي فريد. ليست هذه مجرد رواية عن الحرب والسياسة، بل هي تشريح إنساني عميق للاغتراب، والتحولات الأيديولوجية، ومفهوم الهوية حين تمزقها الصراعات الإقليمية من كامب ديفيد إلى الاجتياح. تتدرج النبرة السردية بين غموضٍ يغلّف مصائر الأبطال والهاربين في المقاهي الشعبية، وبين إلهامٍ يتدفق من ثنايا الصمود، والفن، وسحر الموسيقى التي كانت تلملم ما هدمته البنادق.
يأخذنا الكاتب بلغة أدبية باذخة الجمال وعميقة الأثر، ليعيد قراءة التاريخ من منظور الهامش الإنساني ؛ حيث تلتقي الأرواح المجهدة وتبحث عن المعنى خلف المتاريس وجدران الصواريخ القديمة. "بيت بيروت" هي مرآة روائية لزمنٍ مضى، لكن ظلاله ما زالت تمتد لتشكل حاضرنا