بين أزقة الحنين الممتدة في القلوب، ومن مسافات الوجد التي يقطعها السائرون نحو الحقيقة، يطل علينا كتاب "تحابيش درويش" للشاعر أحمد السمان؛ ليكون بمثابة خلوة أدبية تجمع بين شتات النفس وطمأنينة الروح. هذا العمل ليس مجرد ديوان شعر بالعامية المصرية، بل هو حالة إنسانية فريدة، تجسد الصراع الأزلي بين انكسارات الواقع وتحليق الأرواح في ملكوت الصفاء.
يأخذنا "الدرويش" في رحلة تبدأ من عتبات الذات الحائرة، حيث الوجع "المتشير" في القلوب والأحلام الضائعة وسط الأوهام، ليتدرج بنا في مقامات الصبر، ملامساً طهر البيوت القديمة وبركة الماضي التي افتقدناها في زحام الحداثة. تتجلى عذوبة الكلمات في قدرتها على الغوص في بحر "المدد"، حيث يصطاد الشاعر أوجاع الناس ليحولها إلى ترانيم حب ومديح نبوي، يغسل بها أرواح القراء من كدر الأيام.
بين صفحاته التسعين، ستجد نفساً يشبهك؛ تارةً يصرخ بمرارة الخذلان وفشل قصص الحب الزائفة، وتارةً أخرى يهمس بالرضا واليقين على باب الخالق. هو مزيج مدهش من "التحابيش" التي تضم حبات الأفراح وكوام الاحزان، يكتبها "سقاي للورد" الذي لا يزال يبحث عن ريّه في حضرة الدراويش. إن "تحابيش درويش" دعوة مفتوحة لاستعادة فطرتنا الطيبة، وللإيمان بأن خلف كل بحر لم يشق لموسى، فرجاً ينتظر الصابرين الذين يسنون سيوف الحق بالحب والإحساس